ابن عجيبة
419
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : مفعول ( نبأ ) الثاني : محذوف ، أي : نبأنا جملة من أخباركم ، و ( جزاء ) : مصدر لمحذوف ، أي : يجازون جزاء ، أو علة ، أي : للجزاء بما كسبوا . يقول الحق جل جلاله : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ يعنى : المنافقين ، إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ من تبوك ، قُلْ لهم : لا تَعْتَذِرُوا بالمعاذير الكاذبة ؛ لأنه لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ أي : لن نصدقكم فيها ؛ لأنه قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ ؛ أعلمنا بالوحي ، على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ببعض أخباركم ، وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد . وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ : هل تتوبون من الكفر ، أم تثبتون عليه ؟ وكأنه استتابة وإمهال للتوبة ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وهو اللّه ، والأصل : ثم تردون إليه ؛ فوضع هذا الوصف موضع الضمير ؛ للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعلانيتهم ، لا يعزب عن علمه شئ من ضمائرهم وأعمالهم ، فَيُنَبِّئُكُمْ أي : يخبركم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؛ بالتوبيخ والعقاب عليه . سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ من غزوكم ؛ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ أي : عن عتابهم ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ؛ لا توبخوهم ؛ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ؛ لخبث قلوبهم لا ينفع فيهم التأنيب ، فإن المقصود من العتاب : التطهير بالحمل على الإنابة ، وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير ، فهو علة للإعراض وترك المعاتبة ، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي : منقلبهم إليها ، والمعنى : أن النار كفتهم عتابا ، فلا تتكلفوا عتابهم ، وذلك جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والنفاق . يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ بحلفهم ، فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم من الستر والإرفاق ، وإشراكهم في الغنائم ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ بذلك فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي : فإن رضاكم لا يستلزم رضى اللّه ، ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط اللّه وبصدد عقابه ، أو إن أمكنهم أن يلبسوا عليكم لا يمكنهم أن يلبسوا على اللّه ؛ فإنه يهتك سترهم وينزل الهوان بهم . والمقصود من الآية : النهى عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم ، بعد الأمر بالإعراض عنهم وعدم الالتفات نحوهم . قاله البيضاوي . الإشارة : قد يظهر لهذه الطائفة منافقون ، إذا ظهر على أهل اللّه عز أو نصر جاءوا يعتذرون عن تخلفهم عنه ، ويحلفون أنهم على محبتهم ؛ فلا ينبغي الاغترار بشأنهم ، ولا مواجهتهم بالعتاب ؛ بل الواجب الإعراض عنهم والغيبة في اللّه عنهم ، فسيرى اللّه عملهم ورسوله ، ثم يردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبؤهم بما كانوا يعملون .